محمد طاهر الكردي

386

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

بن محمد : شغله بالجبل حتى تجلى ولولا ذلك لمات صعقا بلا إفاقة ، وقوله هذا يدل على أن موسى رآه . وقد وقع لبعض المفسرين في الجبل أنه رآه وبرؤية الجبل له استدل من قال برؤية محمد نبينا له إذ جعله دليلا على الجواز ولا مرية في الجواز إذ ليس في الآيات نص في المنع . وأما وجوبه لنبينا صلى اللّه عليه وسلم ، والقول بأنه رآه بعينه فليس فيه قاطع أيضا ولا نص ، إذ المعول فيه على آيتي النجم ، والتنازع فيهما مأثور والاحتمال لهما ممكن ، ولا أثر قاطع متواتر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم بذلك ، وحديث ابن عباس خبر عن اعتقاده لم يسنده إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فيجب العمل باعتقاد مضمنه ، ومثله حديث أبي ذر في تفسير الآية ، وحديث معاذ محتمل للتأويل وهو مضطرب الإسناد والمتن ، وحديث أبي ذر الآخر مختلف محتمل مشكل ، فروى : نور أنى أراه . وحكى بعض شيوخنا أنه روى : نوراني أراه ، وفي حديثه الآخر سألته فقال : رأيت نورا ، وليس يمكن الاحتجاج بواحد منها على صحة الرؤية ، فإن كان الصحيح رأيت نورا ، فهو قد أخبر أنه لم ير اللّه تعالى ، وإنما رأى نورا منعه وحجبه عن رؤية اللّه تعالى ، وإلى هذا يرجع قوله : نور أنى أراه ، أي كيف أراه مع حجاب النور المغشي للبصر ، وهذا مثل ما في الحديث الآخر حجابه النور ، وفي الحديث الآخر : لم أره بعيني ولكن رأيته بقلبي مرتين ، وتلا : ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى ، واللّه تعالى قادر على خلق الإدراك الذي في البصر في القلب أو كيف شاء لا إله غيره ، فإن ورد حديث نص بين في الباب اعتقد ووجب المصير إليه ، إذ لا استحالة فيه ولا مانع قطعي رده ، واللّه الموفق للصواب . ثم قال القاضي عياض بعد ذلك ما يأتي : وكلام اللّه تعالى لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ومن اختصه من أنبيائه جائز ، غير ممتنع عقلا ، ولا ورد في الشرع قاطع يمنعه ، فإن صح في ذلك خبر اعتمد عليه ، وكلامه تعالى لموسى كائن حق مقطوع به ، نص على ذلك في الكتاب ، وأكده بالمصدر دلالة على الحقيقة ورفع مكانه على ما ورد في الحديث في السماء السابعة بسبب كلامه ، ورفع محمدا فوق هذا كله ، حتى بلغ مستوى سمع فيه صريف الأقلام ، فكيف يستحيل في حق هذا أو يبعد سماع الكلام ، فسبحان من خص من شاء بما شاء وجعل بعضهم فوق بعض درجات .